محمد محمد أبو ليلة
145
القرآن الكريم من المنظور الاستشراقي
الفصل الأول جمع القرآن القرآن كتاب اللّه أنزله من عالم الغيب إلى عالم القلب ، قلب جبريل عليه السلام فحفظه ، ثم قلب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فوعاه وتثبت به ، ثم قلب المؤمنين بعد أن طهرها الرحمن بالإيمان وهيأها لحفظه ؛ وإلى جانب القلوب الواعية حفظ اللّه تبارك وتعالى القرآن كتابة في عهد النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فكان يكتب بأمره صلى اللّه عليه وسلم بأيدي الكتبة المؤمنين الذين اختارهم اللّه تعالى لكتابة وحيه على ما تسنّى من مواد آنذاك ، وحفظها لتكون ظهيرا للقلوب والعقول التي كتب اللّه على صفحاتها آيات الذكر الحكيم ، فصارت العناية بالنص القرآني مضاعفة ، فقد سد بذلك جميع المنافذ في وجوه المحرفين المنحرفين عن منهج اللّه تعالى ، المعادين لكلامه ورسله من أن تصل إليه أيديهم ، أو تناله ألسنتهم بالتغيير أو التبديل أو بالإضافة والحذف ، فالقرآن معصوم من ذلك إلى يوم القيامة . ومن إعجاز القرآن كذلك عصمته من التحريف ، وجمعه بهذه الطرق المختلفة حتى صار كتابا بين دفتين ، وانتشرت منه الآلاف بل الملايين من النسخ بين المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها ، يقرأ من الألواح ومن الأرواح في لغته الأصلية - اللغة العربية - هذا على الرغم من أنه انتشر في بلاد كثيرة لا تتكلم العربية ، فقد تحولت هذه الملايين - التي تفوق الحصر - إلى اللغة العربية تتعلمها من أجل القرآن ، وحبّا فيه ؛ بل لقد حفظت القرآن فكان هو معينها على تعلمها ؛ ولقد حافظ المسلمون على كتاب ربهم حرصا منهم أن يصيبهم ما أصاب الكتب الإلهية السابقة من تحريف أو تصحيف ، واستوى في الحفاظ على القرآن المسلم المعتاد والخليفة الآمر الناهي والرجل والمرأة ، بل والطفل الغرير . وسوف نتناول في هذا الفصل عملية جمع القرآن من المواد المفرقة حتى صار كتابا بين دفتين ، مفنّدين في ذلك مزاعم المستشرقين ودعاوى العلمانيين من خصوم القرآن